ابن رشد
160
تهافت التهافت
وامتناعه يظهر من البرهان العام الذي ذكرناه عنهم . فلا يلزم الفلاسفة شيء مما ألزمهم من قبل هذا الوضع ، أعني القول بوجود نفوس لا نهاية لها بالفعل ، ومن أجل هذا قال بالتناسخ من قال : إن النفوس متعددة بتعدد الأشخاص ، وإنها باقية . وأما قوله : « وما بالهم لم يجوزوا أجساما بعضها فوق بعض بالمكان إلى غير نهاية ، وجوزوا موجودات بعضها قبل بعض بالزمان إلى غير نهاية ، وهل هذا إلا تحكم بارد لا أصل له ؟ . فإن الفرق بينهما عند الفلاسفة ظاهر جدا ، وذلك أن وضع الأجسام لا نهاية لها معا ، يلزم عنه أن يوجد لما لا نهاية له كل ، وأن يكون بالفعل ، وذلك مستحيل . والزمان ليس بذي وضع ، فليس يلزم من وجود أجسام بعضها قبل بعض إلى غير نهاية وجود ما لا نهاية له بالفعل ، وهو الذي امتنع عندهم . قال أبو حامد مجيبا عن الفلاسفة : فإن قيل : البرهان القاطع على استحالة علل إلى غير نهاية أن يقال : كل واحد من آحاد العلل إما أن تكون ممكنة في نفسها ، أو واجبة . فإن كانت واجبة فلم تفتقر إلى علة ؟ وإن كانت ممكنة ، فالكل موصوف بالإمكان ، وكل ممكن مفتقر إلى علة زائدة على ذاته ، فيفتقر الكل إلى علة خارجة عنه . قلت : هذا البرهان الذي حكاه عن الفلاسفة أول من نقله إلى الفلسفة ابن سينا على أنه طريق خير من طريق القدماء ، لأنه زعم أنه من جوهر الموجود وأن طرق القوم من أعراض تابعة للمبدإ الأول . وهو طريق أخذه ابن سينا من المتكلمين ، وذلك أن المتكلمين ترى أن من المعلوم بنفسه أن الموجود ينقسم إلى ممكن وضروري ، ووضعوا أن الممكن يجب أن يكون له فاعل ، وأن العالم بأسره لما كان ممكنا وجب أن يكون الفاعل له واجب الوجود ، هذا هو اعتقاد المعتزلة قبل الأشعرية وهو قول جيد ليس فيه كذب إلا ما وضعوا من أن العالم بأسره ممكن ، فإن هذا ليس معروفا بنفسه . فأراد ابن سينا أن يعمم هذه القضية ويجعل المفهوم من الممكن ما له علة كما ذكر أبو حامد . وإذا سومح في هذه التسمية لم تنته به القسمة إلى ما أراد ، لأن قسمة الموجود أولا إلى ما له علة وإلى ما لا علة له ليس معروفا بنفسه ، ثم ما له علة ينقسم إلى ممكن وإلى ضروري ، فإن فهمنا منه الممكن الحقيقي أفضى إلى ممكن ضروري ، ولم